الجمعة، 29 فبراير، 2008

الإعتذار عن الأفعال القديمة

* طلبت الكنيسة الرومانية الكاثوليكية الصفح عن خطاياها عبر العصور مثل الحروب التي دعوا إليها أو سكتوا عنها و مثل توقيع البابا بيوس السادس إتفاقا مع هتلر, و تراخيها أثناء الهولوكوست الذي أصاب اليهود و إعتذر البابا إلى ملايين الشباب الذين أوذوا من معاملة عقاب للطلاب شنيعة تعرضوا لها من الراهبات و القساوسة و الرهبان في المدارس الكاثوليكية و الإرساليات أثناء الدراسة.

* و الكنيسة الكاثوليكية في الأرجنتين إعتذارت عن عدم فعل ما يكفي لوقف القمع خلال الحكم من عام 1976 إلى 1983 و إعترف قادتها إنها كان من الممكن أن تفعل أكثر.

* و القس "جسي جاكسون" داعية حقوق الإنسان الأمريكي يطالب بريطانيا بالإعتذار عن دورها في تجارة الرقيق و صرف تعويضات للدول الأفريقية في صورة تخفيضات لديون تلك الأمم, و هولندا و أسبانيا و البرتغال يعرضون الإعراب عن مشاعر الندم.

إعتذار أو ندم أو حتى أسف

"العبودية تقع ضمن أكثر الأجزاء الشائنة و الممقوتة في تاريخ الإنسانية" و هي مثال واحد مما يوجب الإعتذار عليه من مؤسساتنا الدينية فرغم أن القرأن يقول عن أسرى الحرب "فإما منا بعد و إما فداء" فقد إستفحل الرق تحت المؤسسات الإسلامية و تحت المشايخ حتى وقت قريب و لم ينتهي إلا بالقوانين التي وضعها حكام في بلادنا متأثرين بالثقافة الغربية و لم يفلح نظامهم الذي إدعوا أنه نظام الإسلام في القضاء على الرق بالتدريج كما زعموا رغم تأكيدهم أن الإسلام لم يترك فرصة من فرص التحرر الا انتهزها. متى تعترف مؤسساتنا الدينية بتعاونهم في الرق بتشريعه و إباحته و السكوت عليه و تعلن إعتذارا أو ندما أو حتى أسفا على ذلك.

أعرض عليكم جزء من تلك الصورة كما وردت في كتاب (الجواري في مجتمع القاهرة المملوكية) د.على السيد محمود سلسلة تاريخ المصريين رقم 18.

"الجواري السود كن يبعن في أسواق أسيوط و القاهرة التي كان بها و كالة خاصة لجلابة هذا النوع من الجواري, و هي مركز تجمع الرقيق الأسود بصفة خاصة, حيث يستطيع أي فرد أن يشتري منهن ما يشاء, و هذه السوق أو الوكالة كانت بالقرب من جامع السلطان قايتبى" (نعيم زكي: طرق التجارة, ص224, عبد العزيز عبد الدايم: الرق في مصر في العصور الوسطى, ص39).

.... أما الرقيق الأبيض بوجه عام و الجواري البيض بوجه خاص فكانت وكالة كشك و خان جعفر من أهم الأسواق التى يباع فيها هذا النوع (نعيم زكي: طرق التجارة, ص224) بالإضافة إلى خان مسرور و موضعه من باب الزهومة قرب الصاغة الحالية إلى الجامع الأزهر و يجاوره حجرتان للرقيق, و دكة للمحتسب لمراقبة ما يجري من عمليات البيع و الشراء, لأن الشرع الإسلامي قد حكم على تاجر الرقيق الإلتزام بعدة قواعد فيها مراعاة لصالح الجواري, منها أنه لا يجوز أن يفرق بين الجارية و ولدها, و لا يجوز بيع الجارية إذا كانت مسلمة لأحد من أهل الذمة (ابن الأخوة: معالم القربة, ص238)" (لاحظ نسبة الرحمة مع هؤلاء المساكين فكان الأولى إطلاقهم من العبودية).

و وصف أحد الرحالة الألمان هذه الأسواق فقال أنه كان يحق للمشتري أن يجرد هؤلاء الجواري من بعض ملابسهن و يجعلهن يتحركن أمام عينيه و ربما طلب منهن المشي بعض خطوات أو الجري لمسافات بسيطة للتأكد من سلامة أجسادهن, و في بعض الأحيان يطلب منهن الإنحناء يمنة و يسرة و هكذا للتأكد من خلوهن من العيوب و التشوهات الجسدية.

و كان إذا دخل السلطان أو الأمير الحمام صحبته بعض الجواري لخدمته و قل أن تجد دارا إلا و بها بعض الجواري حتى في الطبقة العامة من الشعب فإمتلكوا الجواري في بيوتهم و دليل على ذلك أن إحدى النساء و كانت تعمل "ماشطة" (أي تسرح رؤوس النساء) فكان لديها جارية تخدمها.

و عن صغيرات السن..."فنسمع عن أحد التجار أنه قد أرسل لزوجته من الهند جارية بلغت من العمر ست سنوات. كما أن احدى الجواري و كانت تدعى "دهب" قد منحتها احدى الأرامل لأخيها, و كانت تبلغ من العمر ثلاث سنوات. كذلك نسمع عن سيدة من سيدات الفسطاط قد سألت أحد أقاربها و هو ممن يشتغلون بالجهاز الإداري في البهنسا أن يشتري لها جارية سوداء ما بين خمس سنوات و ست سنوات." ( لا حول و لا قوة إلا بالله)

"كاتب فلان مملوكه أو مملوكته, الذى بيده " أو التي بيده " و ملكه المقر له " أو المقرة " له بالرق و العبودية المدعو فلانا " أو المدعوة فلانة "... (النويري: نهاية الأرب, ج9, ص113) (هذا العقد يعتبرونه شرعي و هو الذي يبيع به المالك حرية العبد أو الجارية له مقابل المال- حتى في هذا فهو إذا أراد المالك فقد أجمعوا (الفقهاء) -في رأيهم- على إن مكاتبة العبد فقط مستحبة و رواية واحدة لا غير عن بن حنبل إنها واجبة-).

"هذا ما أصدق فلان فلانة مملوكة فلان المقرة لسيدها بالرق و العبودية عندما خشى على نفسه العنت و خاف الوقوع في المحظور لعدم الطول, و أنه ليس في عصمته زوجة, و لا يقدر على زواج حرة علي ما شهد لديه من يعينه في رسم شهادته, صداقا تزوجها به, مبلغ كذا و كذا و ولى تزويجها اياه بذلك سيدها المذكور بحق ولايته عليها شرعا" (النويري: نهاية الأرب,ج9, ص122) (لاحظ كلمة شرعا في الأخر فكل شيء يلحقه هؤلاء بالشرع, و هذا عقد يزوجوا فيه إمرأة جارية تحتهم برجل حر و أخذوا عليه الشهادة أنه فقير و لا يقدر على الزواج من إمرأة غيرها حرة و للمالك تمام الحرية في تزويج جواريه متى شاء إلى من يشاء).

و هناك شخص بشع يعمل بمهنة بشعة و هي رد كل من تسول له نفسه من هؤلاء العبيد طلب حريته و الهرب من الذي باعه و من الذي إشتراه و من الذي أجرى لغيره عليه حقا شرعيا و يطلق عليه الضامن "ضامن عليه مال مقرر يأخذه من كل من رد عليه عبده أو أمته, اذا أبقوا -أي هربوا-" (المقريزي: السلوك,ج2, قسم3, ص642-656) بل يذكر المقريزي أن هذا الشخص...كان "يقيم من تحت يده رجالا على الطرقات لرد الهاربين" (السلوك, ج2, قسم2, ص538).

و من المعروف أن الجيش في مصر كان يعتمد أساسا على إستخدام العبيد الذكور و منهم جاء المماليك.

و يحصلون على هؤلاء العبيد المساكين من المجتمعات التي يحاربون جيوشها فإذا ما إنتصروا على الجيوش إنقلبوا إلى تلك المجتمعات و أتخذوا منهم العبيد فمثلا بعد أن هزموا الصليبيين في عكا "أسروا الأولاد الصغار و أعادوهم مماليكا, و أمهاتهم جوار" (الدرة الزكية, ص310 في حوادث سنة 690هجرية) و بعد حملة ناجحة على ملك النوبة "غنمت عساكر السلطان منه و من أقاربه غنائم كثيرة من عبيد و جوار و خيول و غير ذلك" (ابن اياس: بدائع الزهور, ج1, قسم1, ص355) و بعد حملة أخرى على قبرص عادوا "و من وراء الغنائم الأسرى من الرجال و السبي من النساء و الصبيان, و هم ذيادة على ألف إنسان" (السلوك, ج4, قسم2, ص725) نفس الشيء حدث مع بلاد الأرمن و مع البدو الذين قيل فيهم "و فيه من بنات أهل الصعيد عدة قد استرقهن بعد الحرية ففرق من خيارهن طائفة على الأعيان, وطئوهن -على رغمهن- بملك اليمين و اختار لنفسه طائفة, و باع باقيهن مع ما جلبه من العبيد" (السلوك, ج44, قسم1,ص396) أو بالإغارة على القبائل في بلاد أفريقيا مثل غانا و منهم أعداد كبيرة كانت تهلك عقب وصولها ربما بسبب إختلاف المناخ و طول الرحلة و مشاق السفر. أو بقبول العبيد كهدايا من ملوك بلاد صديقة ترتكب هذا الفعل الشائن في تاريخ الإنسانية. أو بالشراء من تجار فقدوا ضمائرهم في تركيا و مناطق مختلفة ببلاد الروم و الهند و من جنوة التي تخصصت في تجارة الرقيق الذي تجلبه من منطقة البحر الأسود.

إن لم تشعر المؤسسات الدينيه بالحاجة للإعتذار عن مشاركتها في هذه الأمور الشائنه بالتشريع و كانت تشعر بالفخر فلتقل ذلك.

ليست هناك تعليقات: